الملخص التنفيذي
شهد قطاع غزة منذ أكتوبر 2023 تحولًا جذريًا في بنية سوق العمل، تمثل في انهيار شبه كامل في منظومة الأجور، وانتقال متسارع من اقتصاد إنتاجي هش إلى اقتصاد قائم على المساعدات. فقد أكثر من 90% من العمال مصادر دخلهم، وتعرضت القاعدة الإنتاجية لتدمير واسع، مما أدى إلى تفكك العلاقة بين العمل والدخل، وارتفاع غير مسبوق في معدلات الفقر والبطالة.
تتمثل المشكلة الأساسية في غياب منظومة فعالة لحماية أجور العمال، في ظل تعطّل تطبيق القوانين، وضعف الرقابة، وتراجع دور المؤسسات الرسمية والنقابية. وقد أدى ذلك إلى انتشار أنماط عمل هشة، تشمل انخفاض الأجور، والعمل غير المنتظم، والفصل التعسفي، وعدم دفع المستحقات، مما وضع العمال في دائرة الاستغلال وفقدان الأمان الاقتصادي.
تعتمد هذه الورقة على تحليل قائم على الأدلة، يجمع بين البيانات الكمية الصادرة عن مصادر دولية، والمقابلات الميدانية مع خبراء وفاعلين في قطاع العمل، لتشخيص فجوة السياسات القائمة، والتي تتجلى في ثلاث مستويات رئيسية: فجوة في التنفيذ نتيجة عدم تطبيق القوانين، فجوة في الاستهداف بسبب غياب برامج موجهة للعمال، وفجوة في النهج نتيجة التركيز على المساعدات الإنسانية دون ربطها بسوق العمل أو التعافي الاقتصادي.
في ضوء ذلك، تستعرض الورقة مجموعة من الخيارات السياساتية المتدرجة، أبرزها برامج “النقد مقابل العمل” كمدخل فوري لتوفير الدخل وتحريك الاقتصاد المحلي، وبرامج دعم الأجور للحفاظ على الوظائف القائمة، إلى جانب إنشاء صندوق وطني لتعويض العمال ودعم إعادة تشغيل المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتطوير تدخلات داعمة للاقتصاد المنزلي.
تخلص الورقة إلى أن الاستجابة الفعالة لأزمة أجور العمال في قطاع غزة تتطلب تحولًا استراتيجيًا من نهج الإغاثة قصيرة الأمد إلى سياسات قائمة على التشغيل والدخل والإنتاج، ضمن إطار زمني واضح لمرحلة التعافي المبكر. كما تؤكد على أهمية تبنّي تدخلات متكاملة تربط بين المساعدات والتشغيل، بما يضمن استعادة كرامة العمال، وتحفيز الدورة الاقتصادية، والحد من الاعتماد طويل الأمد على المساعدات.
وتدعو الورقة المؤسسات الدولية والجهات المانحة، بالتعاون مع المؤسسات الوطنية، إلى التحرك العاجل لتبني هذه التوصيات وتنفيذها بشكل منسق، حيث إن أي تأخير في هذه المرحلة الحرجة قد يؤدي إلى ترسيخ اقتصاد هش قائم على المساعدات، وتعميق الأزمة الاجتماعية والاقتصادية على المدى الطويل، ورفع كلفة التعافي في المستقبل.
وفي المقابل، تمثل مرحلة التعافي المبكر فرصة حاسمة لإعادة توجيه المسار الاقتصادي في قطاع غزة نحو نموذج أكثر استدامة وعدالة، قائم على العمل والإنتاج بدل الاعتماد. إن تبنّي سياسات فعّالة تربط بين الإغاثة والتشغيل يمكن أن يشكّل نقطة تحول حقيقية نحو استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
تقدّم هذه الورقة خارطة طريق عملية لصنّاع القرار والجهات الفاعلة، تستند إلى تحليل واقعي وأدلة ميدانية، وتهدف إلى دعم الانتقال من الاستجابة الإنسانية قصيرة الأمد إلى مسار تعافٍ اقتصادي تدريجي ومستدام. وعليه، فإن الاطلاع على هذه الورقة وتبنّي ما ورد فيها من توصيات يشكّل خطوة أساسية نحو حماية كرامة العمال، وإعادة بناء سوق عمل أكثر عدالة وصلابة.